أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني
مقدمة 24
العمدة في صناعة الشعر ونقده
الإسلامية لشؤون الدراسات العليا ، والأستاذ الدكتور عبد الشافي عبد اللطيف - أطال اللّه عمره - أستاذ التاريخ بكلية اللغة العربية بجامعة الأزهر ، وجلسنا نتباحث في أشياء كثيرة ، ويطوف بنا أخونا الطناحى في كل الاتجاهات بأسلوبه الساحر وفكاهاته الطريفة ، فكانت الجلسة تجمع بين الثقافة العلمية الجادة ، والطرفة والنكتة التي تخفف عن النفس الكثير من أحمالها ، ثم أخذت مفتاح الكلام عن العمدة والمتاعب التي واجهتها في سبيل تحقيقه ، فما كان من أخي المرحوم محمود الطناحى إلا أن قال : لقد أنسيت أن أذكر لك أنه وقعت في يدي نسخة محققة ، وأن أذكر لك أن هناك نسخة مخطوطة من الجزء الثاني من كتاب العمدة في المكتبة المركزية بجامعة الإمام ، ولكنها غير مدرجة في فهارس المكتبة ، وقد كتبت عنها ، وسأعطيك نسخة من كتيب صنعته عن بعض المخطوطات التي لم تذكر في الفهارس . عندما سمعت هذا الكلام مادت الأرض بي ، وأسقط في يدي ، ومرّ بخاطرى في لحظات شريط ذكرياتى مع متاعب الكتاب ، وانعقد لساني لفترة ، وقلت للزملاء الأفاضل : في هذه الحالة يجب أن أتوقف عن مواصلة العمل في الكتاب ما دام قد صدر في طبعة محققة ، لكن الدكتور الطناحى قال بنبرة جادة وآمرة : لا يجب أن تتسرع في الحكم بالمقاطعة ، وإنما يجب أن تقرأ الكتاب المحقق ، ثم تنظر في أمر عملك ، وتسأل نفسك : هل قام العمل المحقق الذي ظهر بما كنت تريده أو لا ؟ فإن وجدت أنه يفي بالغرض فإنه يجب في هذه الحالة أن تتوقف ، وإن وجدت غير ذلك فسر في طريقك إلى نهاية عملك وخطتك ، وأيد الجميع هذه المقولة ، لكنني كنت مترددا في قبولها ، وبعد عدة أيام تكلمت هاتفيا مع الدكتور محمود الطناحى أشكو إليه بثي وحزنى على الأيام التي ضاعت هباء في تحقيق العمدة ، لكنه - رحمه اللّه - سرّى عنى وأزال بعض همى ، وقال لي : إنك على بعد أيام من السفر إلى الرياض ، وبالقطع ستجد هذا الكتاب هناك ، وأؤكد لك أنه لو كان عندي لأعطيتكه . وسافرت إلى الرياض ، وبعد أقل من أربع وعشرين ساعة كنت في مكتبة الرشد ، بعد أن أخبرني أخي الأستاذ الدكتور محمد الصامل وكيل كلية اللغة العربية الآن بالرياض بأن الكتاب فيها ، وكنت أذهب إليها كثيرا ، واشتريت منها مجموعة من الدواوين والكتب التي لم تكن في مكتبتي الخاصة ، ووجدت الكتاب المذكور ، وقد كتب على غلافه الخارجي تحقيق الدكتور محمد قرقزان ، ومن منشورات دار المعرفة ببيروت ، ويشهد اللّه أنني أخذت الكتاب وجسمي كله يرتعش ارتعاشا شديدا ، كأنني أصبت بالحمى ، ولم تكن ارتعاشاتى الداخلية بأقل مما يظهر على جسدي .